الزركشي
453
البرهان
وإحسانه ، فمقام هذا الحياء والتعظيم ، وحاله الإصغاء والفهم ، وهذا لعموم المقربين . الثالث : من يرى أنه يناجي ربه سبحانه ، فمقام هذا السؤال والتمكن ، وحاله الطلب ; وهذا المقام لخصوص أصحاب اليمين ; فإذا كان العبد يلقى السمع من بين يدي سميعه ، مصغيا إلى سر كلامه ، شهيد القلب لمعاني صفاته ، ناظرا إلى قدرته ، تاركا لمعقوله ومعهود علمه ، متبرئا من حوله وقوته ، معظما للمتكلم ، متفرغا إلى الفهم ، بحال مستقيم ، وقلب سليم ، وصفاء ، يقين ، وقوة علم ، وتمكين سمع - فصل الخطاب وشهد غيب الجواب ; لأن الترتيل في القرآن ، والتدبر لمعاني الكلام ، وحسن الاقتصاد إلى المتكلم في الإفهام ، والإيقاف على المراد ، وصدق الرغبة في الطلب - سبب للاطلاع على المطلع من المسر المكنون المستودع . وكل كلمة من الخطاب تتوجه عشر جهات ، للعارف من كل جهة مقام ومشاهدات : أولها الإيمان فلا بها ، والتسليم لها ، والتوبة إليها ، والصبر عليها ، والرضا بها ، والخوف منها ، والرجا إليها ، والشكر عليها ، والمحبة لها ، والتوكل فيها . فهذه المقامات العشر هي مقامات المتقين ، وهي منطوية في كل كلمة يشهدها أهل التمكين والمناجاة ، ويعرفها أهل العلم والحياة ، لأن كلام المحبوب حياة للقلوب ، لا ينذر به إلا حي ، ولا يحيا به إلا مستجيب ، كما قال تعالى : * ( لينذر من كان حيا ) * . وقال تعالى : * ( إذا دعاكم لما يحييكم ) * . ولا يشهد هذه العشر مشاهدات إلا من يتنقل في العشر المقامات المذكورة في سورة الأحزاب ، أولها مقام المسلمين ، وآخرها مقام الذاكرين ، وبعد مقام